عبد القادر الجيلاني
202
السفينة القادرية
الشدة عنه وهاته المناجاة إحدى التوجهات الثلاث عند القوم . الأول توجه بالاستسلام وذلك عند تعذر الأسباب وهي طريق العارفين . الثاني توجه بالطلب وذلك عند انشراح الوقت وجريانه بالمعتاد وموقف تذكير النفس بالافتقار حين غفلتها عن التوحيد والاضطرار أو يكون البساط بساط تعليم أو تذكار ونحوه . الثالث توجه بالتعريض وذلك حين يغلب حسن الظن والاكتفاء بالعلم كقول إبراهيم عليه السلام : وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ « 1 » وقول موسى عليه السلام : إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ « 2 » والتوجه الثاني منطبق على كلام الشيخ هنا ، [ - ما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له ] ( فإن قيل ) ما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له ( قلت ) : قال الإمام الغزالي : اعلم أن من جملة رد البلاء والدعاء سبب لرد البلاء ووجود الرحمة ، كما أن الترس سبب لرد السلاح ، والماء سبب لخروج النبات من الأرض ، فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان فكذلك الدعاء والبلاء ، وليس من شرط الاعتراف بالقضاء أن لا يحمل السلاح ، وقد قال تعالى : وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ « 3 » وَأَسْلِحَتَهُمْ فقدر اللّه الأمر وقدر سببه . ثم قال : * وبك استعنت فأعني * جاء في الحديث عن ابن عباس « 4 » رضي اللّه عنهما ( إذا سألت فاسأل اللّه ، وإذا استعنت فاستعن باللّه ) وجملة الاستعانة هاته توجد في بعض النسخ دون بعض ، والمعنى أطلب منك الإعانة لا من غيرك ، والسين والتاء للطلب ، والإعانة لا تكون إلّا من قادر عليها ، والعاجز عنها لا قدرة له على إعانة نفسه فضلا عن غيره . ثم قال * وعليك توكلت فاكفني * أي اعتمدت عليك لا على غيرك إذ التوكل هو الاعتماد على اللّه في تحصيل المنافع أو في حفظها بعد
--> ( 1 ) سورة الشعراء / آية 82 . ( 2 ) سورة القصص / آية 24 . ( 3 ) سورة النساء / آية 102 . ( 4 ) في مجمع الزوائد ج 7 / 179 عن عبد اللّه بن جعفر .